سيد محمد طنطاوي
389
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله * ( مَوْفُوراً ) * اسم مفعول ، من قولهم وفر الشيء فهو وافر وموفور أي : مكمل متمم . وهو صفة لقوله : * ( جَزاءً ) * . وهذا الوعيد الذي توعد اللَّه - تعالى - به إبليس وأتباعه ، جاء ما يشبههه في آيات كثيرة ، منها قوله - سبحانه - : قالَ فَالْحَقُّ والْحَقَّ أَقُولُ . لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ . ثم أضاف - سبحانه - إلى إهانته وتحقيره لإبليس أوامر أخرى ، فقال - تعالى - : * ( واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ، وأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ، وشارِكْهُمْ فِي الأَمْوالِ والأَوْلادِ ، وعِدْهُمْ ، وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ) * . قال الجمل : أمر اللَّه - تعالى - إبليس بأوامر خمسة ، القصد بها : التهديد والاستدراج ، لا التكليف ، لأنها كلها معاص ، واللَّه لا يأمر بها « 1 » . وهذه الأوامر الخمسة هي : اذهب ، واستفزز . . . وأجلب . . . وشاركهم . . . وعدهم . وقوله : واستفزز ، من الاستفزاز ، بمعنى الاستخفاف والإزعاج ، يقال : استفز فلان فلانا إذا استخف به ، وخدعه ، وأوقعه فيما أراده منه . ويقال : فلان استفزه الخوف ، إذا أزعجه . وقوله : * ( وأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ) * أصل الإجلاب : الصياح بصوت مسموع . يقال : أجلب فلان على فرسه وجلب عليه ، إذا صاح به ليستحثه على السرعة في المشي . قال الآلوسي : قوله * ( وأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ ) * أي : صح عليهم من الجلبة وهي الصياح . قاله الفراء وأبو عبيدة . وقال الزجاج : أجلب على العدو : جمع عليه الخيل . وقال ابن السكيت : جلب عليه : أعان عليه . وقال ابن الأعرابي : أجلب على الرجل ، إذا توعده الشر ، وجمع عليه الجمع . والخيل : يطلق على الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه ، وعلى الفرسان مجازا ، وهو المراد هنا . ومنه قول الرسول صلى اللَّه عليه وسلم في بعض غزواته لأصحابه : « يا خيل اللَّه اركبي » . والرجل - بكسر الجيم - بمعنى راجل - كحذر بمعنى حاذر - هو الذي يمشى رجلا ، أي غير راكب . . . » « 2 » .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 634 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 111 .